
العرب-عبد المجيد دقنيش:
إذا كانت الكتابة بالنسبة إلى البعض مجرد كلمات متقاطعة، فإن هذا الفتى وليد سليمان أثبت أن الكتابة كيمياء الروح واستشراف لعوالم سحرية واكتشاف لأغوار الذات، لأن المبدع الحقيقى حسب رأيه ليس إلا سندبادا للنفس البشرية.
ووليد سليمان هو من الوجوه الفاعلة فى الساحة الثقافية، يمارس الترجمة الأدبية عن الفرنسية والانجليزية والاسبانية ويشرف على قسم الترجمة بموقع دروب الثقافي. وقد ازدادت قدمه رسوخا فى الساحة الأدبية منذ مولوده الأول ومجموعته القصصية الصادرة حديثا ساعة أينشتاين الأخيرةالتى اكتشفنا فيها قصصا ممتعة مثل محاولات سيزيف وفى ساحة جان جينيه والقبلة وكلام مجانين والمراهق وتعرفنا فيها على شخصيات منفلتة من المكان والزمان ولكنها تشبهنا حد التطابق.. أو هى رجع صدى لأحلامنا وتيهنا وغربتنا فى هذا الكون.. ومعبّرة عن توق الانسان إلى التخلص من اللحظة السيزيفية لذلك أقرّ وليد سليمان فى هذا الحوار بأن على الكاتب أن يتحرر من المحلية الضيقة وينشد الكونية وحاول أن يكشف لنا أغوار شخصياته العجيبة التى تظهر فجأة وتختفى فجأة حسب إرادة السارد هذا المحرك الذى لا يتحرك .
ماهو شعورك وأنت تخرج للقرّاء باكورة أعمالك؟ المولود الأول هل له مذاق خاص مثل القبلة الأولى؟
طبعا للعمل الأول لذة لا تضاهيها لذة، فصدور الكتاب الأول يعتبر بمثابة التتويج بعد مرحلة المخاض المتمثلة فى الكتابة وإعادة الكتابة. ولكن حسن تقبل هذا العمل الأول يضع على عاتق الكاتب مسؤولية كبيرة ويدفعه إلى مزيد العمل لشد انتباه القارئ الذى صار صعب الإرضاء فى خضم هذا الطوفان من الأعمال الأدبية التى تنشر كل يوم هنا وهناك.
عنوان المجموعة القصصية ساعة اينشتاين الأخيرة فيه الكثير من الطرافة والإيحاء، فهل وجدت صعوبة فى اختيار هذا العنوان؟ ثم ما مدى أهمية العنوان فى أى عمل إبداعي؟
فى قصصى أولى اهتماما خاصا بالعنوان الذى يبقى بمثابة الواجهة فى العمل الأدبي. أما بالنسبة إلى عنوان المجموعة فهو مستمد من القصة الأولى. هناك عناوين تفرض نفسها على الكاتب الذى عليه أن يكون خلاقا ويبتعد عن الكليشيهات.
لاحظت من خلال مختلف التصديرات التى صدرت بها بعض القصص أن مرجعياتك كلها غربية عالمية من بورخيس إلى جيمس جويس، وجان جينيه وألبير كامو وبيكيت وفلاديمير نابوكوف. فهل جاء ذلك صدفة أم هو توظيف ومحاولة للتأثير على القارئ عبر هذه القامات الكبيرة فى الكتابة؟
أولا أريد أن أؤكد أن التصديرات فى قصص ساعة اينشتاين الأخيرة ليست من باب الترف أو الزينة، بل هى تدخل فى نسيج الكتابة وتم توظيفها بعناية. وان قراءة واعية لهذه المجموعة تؤكد أن مدلولات القصص المُكوّنة لها قد تتغيّر تماما إذا حذفنا هذه التصديرات. إن هذه الطريقة فى الكتابة، فى اعتقادي، تخلق نوعا من الحوار الإبداعى بين القاص وكـُتّابه الأثيرين. الكاتب يستحضر الكتّاب الذين يحبّهم وهو يعلن بذلك عن الأسرة الأدبية التى ينتمى إليها.
فى الحقيقة هذا السؤال يجرنا إلى الحديث عن أهم المدارس والتجارب التى تأثر بها وليد سليمان؟
كى أكون دقيقا سأقول إنى تأثرت بأعمال أدبية بعينها أكثر مما تأثرت بمدرسة أو بمذهب أدبي. طبعا هناك كتاب مفضّلون، وفى حالتى أذكر مثلا: نابوكوف، كويتزي، ماركيز، جويس،همنغواي، فوكنر، بورخيس، بولغاكوف…وكل كاتب من هؤلاء يِؤثر فيك من ناحية معينة. قد نتأثر بلغة كاتب، أو بتقنيات الكتابة لديه أو باستراتيجيات السّرد أو حتى بطريقة إعادة إنتاجه للواقع. ولكن فى حالتى لا تقتصر التأثيرات على الأعمال الأدبية وإنما تتعدّاها إلى طرق التعبير الأخرى مسرح، سينما، فوتوغرافيا، فن تشكيلي…. فالكتابة الحديثة تقوم على هضم التعبيرات الفنية المختلفة وإعادة إنتاجها ضمن نسيج لغوى معقد وبأدوات سردية متجددة.
لاح بوضوح فى هذه المجموعة القصصية تأثرك بمناخات عالمية معينة وكأنى بك تدحض انتماءك إلى بيئة ضيّقة وتتنصل من الجغرافيا وهذا نلمسه خاصة فى إطلاقية الزمان والمكان وكونية الأحداث فى أغلب القصص، فهل ينطبق عليك ما جاء على لسان إحدى الشخصيات فى قصة فى ساحة جان جينيه حين قالت :كل العالم وطني…الجغرافيا لا تهمنى كثيرا…؟
على الكاتب، فى نظري، أن يتحرر من المحليّة الضيقة وينشد أفقا أرحب. لقد صرنا نعيش فى عالم انهارت فيه الحدود وألغيت فيه المسافات، فلماذا لا ينطلق الكاتب فى عملية استكشاف لعوالم جديدة وأماكن مختلفة؟…ولكن ذلك لا يمنع الإنسان من أن يتجذر فى محيطه ويتشبّع ببيئته. فأنا، رغم هذه النزعة الكونية التى أدعو إليها، حريص كل الحرص على التمسّك بالثوابت والالتصاق بالهوية. قد يتغيّر الديكور فى قصصي، ولكن الشخصيات تبقى منخرطة فى سياقها ومحيطها وحاملة لهموم الآن وهنا


























