الكاتب والمترجم التونسي وليد سليمان في حوار مع العرب العالمية: الادب هو فن الادهاش

كتبها وليد سليمان / ديدالوس ، في 4 يوليو 2008 الساعة: 08:05 ص

alarab


العرب-عبد المجيد دقنيش:


إذا كانت الكتابة بالنسبة إلى البعض مجرد كلمات متقاطعة، فإن هذا الفتى وليد سليمان أثبت أن الكتابة كيمياء الروح واستشراف لعوالم سحرية واكتشاف لأغوار الذات، لأن المبدع الحقيقى حسب رأيه ليس إلا سندبادا للنفس البشرية.

ووليد سليمان هو من الوجوه الفاعلة فى الساحة الثقافية، يمارس الترجمة الأدبية عن الفرنسية والانجليزية والاسبانية ويشرف على قسم الترجمة بموقع دروب الثقافي. وقد ازدادت قدمه رسوخا فى الساحة الأدبية منذ مولوده الأول ومجموعته القصصية الصادرة حديثا ساعة أينشتاين الأخيرةالتى اكتشفنا فيها قصصا ممتعة مثل محاولات سيزيف وفى ساحة جان جينيه والقبلة وكلام مجانين والمراهق وتعرفنا فيها على شخصيات منفلتة من المكان والزمان ولكنها تشبهنا حد التطابق.. أو هى رجع صدى لأحلامنا وتيهنا وغربتنا فى هذا الكون.. ومعبّرة عن توق الانسان إلى التخلص من اللحظة السيزيفية لذلك أقرّ وليد سليمان فى هذا الحوار بأن على الكاتب أن يتحرر من المحلية الضيقة وينشد الكونية وحاول أن يكشف لنا أغوار شخصياته العجيبة التى تظهر فجأة وتختفى فجأة حسب إرادة السارد هذا المحرك الذى لا يتحرك .


ماهو شعورك وأنت تخرج للقرّاء باكورة أعمالك؟ المولود الأول هل له مذاق خاص مثل القبلة الأولى؟

طبعا للعمل الأول لذة لا تضاهيها لذة، فصدور الكتاب الأول يعتبر بمثابة التتويج بعد مرحلة المخاض المتمثلة فى الكتابة وإعادة الكتابة. ولكن حسن تقبل هذا العمل الأول يضع على عاتق الكاتب مسؤولية كبيرة ويدفعه إلى مزيد العمل لشد انتباه القارئ الذى صار صعب الإرضاء فى خضم هذا الطوفان من الأعمال الأدبية التى تنشر كل يوم هنا وهناك.


عنوان المجموعة القصصية ساعة اينشتاين الأخيرة فيه الكثير من الطرافة والإيحاء، فهل وجدت صعوبة فى اختيار هذا العنوان؟ ثم ما مدى أهمية العنوان فى أى عمل إبداعي؟

فى قصصى أولى اهتماما خاصا بالعنوان الذى يبقى بمثابة الواجهة فى العمل الأدبي. أما بالنسبة إلى عنوان المجموعة فهو مستمد من القصة الأولى. هناك عناوين تفرض نفسها على الكاتب الذى عليه أن يكون خلاقا ويبتعد عن الكليشيهات.


لاحظت من خلال مختلف التصديرات التى صدرت بها بعض القصص أن مرجعياتك كلها غربية عالمية من بورخيس إلى جيمس جويس، وجان جينيه وألبير كامو وبيكيت وفلاديمير نابوكوف. فهل جاء ذلك صدفة أم هو توظيف ومحاولة للتأثير على القارئ عبر هذه القامات الكبيرة فى الكتابة؟

أولا أريد أن أؤكد أن التصديرات فى قصص ساعة اينشتاين الأخيرة ليست من باب الترف أو الزينة، بل هى تدخل فى نسيج الكتابة وتم توظيفها بعناية. وان قراءة واعية لهذه المجموعة تؤكد أن مدلولات القصص المُكوّنة لها قد تتغيّر تماما إذا حذفنا هذه التصديرات. إن هذه الطريقة فى الكتابة، فى اعتقادي، تخلق نوعا من الحوار الإبداعى بين القاص وكـُتّابه الأثيرين. الكاتب يستحضر الكتّاب الذين يحبّهم وهو يعلن بذلك عن الأسرة الأدبية التى ينتمى إليها.


فى الحقيقة هذا السؤال يجرنا إلى الحديث عن أهم المدارس والتجارب التى تأثر بها وليد سليمان؟

كى أكون دقيقا سأقول إنى تأثرت بأعمال أدبية بعينها أكثر مما تأثرت بمدرسة أو بمذهب أدبي. طبعا هناك كتاب مفضّلون، وفى حالتى أذكر مثلا: نابوكوف، كويتزي، ماركيز، جويس،همنغواي، فوكنر، بورخيس، بولغاكوف…وكل كاتب من هؤلاء يِؤثر فيك من ناحية معينة. قد نتأثر بلغة كاتب، أو بتقنيات الكتابة لديه أو باستراتيجيات السّرد أو حتى بطريقة إعادة إنتاجه للواقع. ولكن فى حالتى لا تقتصر التأثيرات على الأعمال الأدبية وإنما تتعدّاها إلى طرق التعبير الأخرى مسرح، سينما، فوتوغرافيا، فن تشكيلي…. فالكتابة الحديثة تقوم على هضم التعبيرات الفنية المختلفة وإعادة إنتاجها ضمن نسيج لغوى معقد وبأدوات سردية متجددة.


لاح بوضوح فى هذه المجموعة القصصية تأثرك بمناخات عالمية معينة وكأنى بك تدحض انتماءك إلى بيئة ضيّقة وتتنصل من الجغرافيا وهذا نلمسه خاصة فى إطلاقية الزمان والمكان وكونية الأحداث فى أغلب القصص، فهل ينطبق عليك ما جاء على لسان إحدى الشخصيات فى قصة فى ساحة جان جينيه حين قالت :كل العالم وطني…الجغرافيا لا تهمنى كثيرا…؟

على الكاتب، فى نظري، أن يتحرر من المحليّة الضيقة وينشد أفقا أرحب. لقد صرنا نعيش فى عالم انهارت فيه الحدود وألغيت فيه المسافات، فلماذا لا ينطلق الكاتب فى عملية استكشاف لعوالم جديدة وأماكن مختلفة؟…ولكن ذلك لا يمنع الإنسان من أن يتجذر فى محيطه ويتشبّع ببيئته. فأنا، رغم هذه النزعة الكونية التى أدعو إليها، حريص كل الحرص على التمسّك بالثوابت والالتصاق بالهوية. قد يتغيّر الديكور فى قصصي، ولكن الشخصيات تبقى منخرطة فى سياقها ومحيطها وحاملة لهموم الآن وهنا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في أخبار الأدب هذا الأسبوع: "وجه سيزيف بأقنعة شتى" بقلم: د. مصطفى الكيلان

كتبها وليد سليمان / ديدالوس ، في 30 يونيو 2008 الساعة: 10:12 ص

121482

1-

ثمّة مشترك دلالي تقريبيّ يصل بين مُختلف أقاصيص “ساعة اينشتاين الأخيرة” لوليد سليمان (1) يمكن اختصاره بدءا وليس انتهاء في المُفتـَقـَد، هذا الموصوف المرجعي تؤدّيه الذات الساردة بمتعدّد اللحظات والشخصيات والمواقف من خلال تسعة مشاهد قصصيّة، الواصل بين أغلبها ضمير مفرد متكلّم، هو الشاهد على ما يحدث بالاسترجاع عند إحالة الأحداث على سياقات أزمنة مختلفة.

فيعرض لنا بـ”ساعة اينشتاين الأخيرة” (2) الواردة في بدء المجموعة، الوجه الأول لهذا المُفتقـَد مُمَثـّلا في شخصية الساعاتي المُكنّى “اينشتاين”، وقد اتّخذ له شاكلة السرد المشهدي السينمائيّ الذي يتحدّد بستة مقاطع تتواصل عبر ذاكرة السارد وموقع الرؤية القائمة على التـّبعيد حينا والتـّقريب أحيانا. فتتعالق أدبيّة السرد والمشهديّة السينمائيّة في بنية مُشترَكة تعتمد التواتُر في المقاطع السرديّة الثلاثة الأولى بتكرار الفعل عند توصيف أعمال “اينشتاين” كي يحدث الإبدال منذ المقطع الرابع : “مازلت أذكر ذلك اليوم جيدا. فبالرغم من أنّه يوم من أيّام الربيع، إلا أنّ الحرارة قد بلغت حدا لا يطاق” (3)، لينزاح السرد عن تكرار الفعل ممثّلا في اقتدار “اينشتاين” على إصلاح كل الساعات مكتفيا بالأجر الزهيد إلى إحداث مفاجئ سرّع في مسار الفعلية عبر كل من المقطع الرابع والخامس والسادس حينما عجز الساعاتي ولأول مرة، عن إصلاح الساعة التايوانيّة الرخيصة. وإذا الفعليّة التي تُحَدّ بها شخصية اينشتاين تتّخذ لها إصلاح الساعات مسلكا وجوديّا في الأصل والمرجع قصد إثبات الإرادة وتحدّي الوهن وأبسط أدوات الإصلاح في كيس بلاستيكيّ، وعلى الرصيف في أحد شوارع تونس العاصمة.

-2-

هو الشعور بالنُقصان يحفز الشخصية على الفعل لمُغالبة ثقله المضجر بالفعل وتكراره دُون توقــّف ولتأجيل كارثته التي تحققــّت في الأخير بحدث الانتحار.

فنتمثل بهذه المسار الحدثيّ بنية مشهديّة صيغت بتفاصيل الأحداث وموصوف الأشياء داخل المكان الأوّل، ذلك الرصيف المقابل للمتجر حيث يشتغل السارد، وضمن المكان الثاني مُمَثــَّلا في شقــّة “اينشتاين” الذي قضى آخر لياليه في صراع مع الساعة التايوانية المعطوبة دون جدوى، لينقضي المشهد الأخير بالفاجعة.

وبهذا الوصف المشهدي تمثــّل أولى أقاصيص المجموعة موقفا سيزيفيّا استمدته الذات الساردة من زخم الوقائع المعيشة بوصفيّة هي أقرب إلى المُطَابَقة، وبإيحاء أخصَبَه وهَج تلك الوقائع التي تحولت بفعل السرد من أحداث عابرة إلى لحظات استثنائية تتجاوز حدود المكان والسياق المجتمعي التي تحيل عليه الأقصوصة إلى مجال أرحب، هو الحياة الإنسانية حينما تسفر دلالة النقصان عن الرغبة في تواصلها مع إرادة الفعل وارتداد هذا الفعل إلى أحطّ مراتب العجز لتصطدم الرغبة آنذاك بنقيضها الذي هو الموت الملازم لها والحافز على مزيد من الرغبة في حالات الكائن المختلفة الذي يصرّ على الاستمرار في الوجود، كأن تلوذ به فرارا من جحيم الوهن الناتج عن خيبة الأمل، الملل، الرعب…فتتسع دائرة المفتقد في ذات الشخصيّة القصصيّة كي يستحيل الوجود إلى وضع غير محتمل. وبذلك تتدحرج صخرة “سيزيف” إلى أسفل الوهاد مخلـّـفة وراءها جثـّة هامدة.

وإن حقــّـق “اينشتاين” الساعاتيّ بعضا من التوازن النفسي آن تـَقـْضيَة الرغبة بالفعل وتكرار الفعل نتيجة التواصل النابض حياة بين الجسد والعقل فقد اصطدم الفعل أخيرا بصخرة الاستحالة حينما تعطّـلت الإرادة بعجز العقل عن أداء وظيفته وفقدت الرغبة الأساس الذي به كانت وتكون، ليتقوّض كل شيء ويضحي الجسد ك

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

صحيفة "تشرين" السورية: "المجانين يصدّقون المجانين…ساعة اينشتاين الأخيرة" بقلم: مصطفى علوش

كتبها وليد سليمان / ديدالوس ، في 30 يونيو 2008 الساعة: 09:59 ص



آه، كم هي الحياة جميلة، كثيراً ما أردد تلك العبارة بعد قراءتي لعمل إبداعي مدهش، ولأن الأعمال المدهشة قليلة فإنني أرددها قليلاً:

مجموعة القاص التونسي وليد سليمان ساعة اينشتاين الأخيرة جعلتني أردد العبارة السابقة «كم هي الحياة جميلة..» وتكاد لغته القصصية الهاربة من قاموس الإبداع والمتوضعة في قصصه، تجعله يتقن لعبة السحر والتشويق، فالقصة ليست معنى فقط، وليست تشويقاً فقط، إنها مزيج من هذين العالمين.. مزيج يمر بمختبر الرواية الفردية، وتكون المحصّلة نصاً قصصياً.. ‏

ربما علينا الاقتراب من بطل قصته الأولى اينشتاين، هذا المغرم بتصليح الساعات والعبقري في مهنته تلك.. لكني آثرت الاقتراب أولا من قصته: كلام مجانين لأن فيها الكثير من السحر القصصي.. ‏

فالبناء الفني في القصة يعتمد على الحوار بين شخصيتين، رجل وامرأة، حوار مليء بالمعرفة الثمينة، والنقد العميق لأحوال العالم، واقتراب من عمق المشكلات المعاصرة للإنسان: ‏

قالت: ـ قل لي شيئاً مجنوناً.. قال: ـ مثل ماذا؟ ‏

قالت: ـ أي شيء، شرط أن يكون فيه جنون. ‏

قال: ـ والعقل؟ ماذا نفعل به؟

قالت: ـ دعنا من العقل، فلو كان العقل ينفع، لنفع أصحابه… ص 49. ‏

يعتقد القارئ للقصة أن حباً عارماً يجمع بين هذين الشخصين فقط إضافة إلى أن تفاصيل الحوار ممتعة، مليئة، مكتنزة المعنى. ولأن الضد يظهر حسنه الضدّ. يمكننا تذكر بعض الكتابات القصصية الهشة، المليئة بالسرد المبالغ فيه والوصف المتراكم، الشبيه بالشحوم الثلاثية. كتابات قصصية أو «هكذا تزعم» ممتلئة باللامعنى، وطافحة بالهراء. والخيبة الكبرى حين يتصدى بعض الزاعمين أنهم نقاد ليفندوا لنا أسرار تلك القصص. وتصير اللعبة مقيتة حين تكون المجموعة لقاصة، والناقد ذكراً حتى في نقده، نعود لمبدعنا التونسي وجنونه الجميل..

تتابع تلك العاشقة حوارها الممتع وتقول لعاشقها. ‏

قالت: الجنون أعلى مراحل السعادة. ‏

قال: ـ الجنون أعلى مراحل الغباء. ‏

قالت: ـ ومع ذلك لم يتوصل أحد إلى حد الآن إلى تفسير الجنون. ‏

قال: ـ ربما الوحيد الذي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مدونتي الجديدة على الانترنت

كتبها وليد سليمان / ديدالوس ، في 9 أبريل 2008 الساعة: 22:18 م

أصدقائي الاعزاء
أدعوكم لزيارة مدونتي الجديدة ويسرني أن أهديكم ترجمة أسبوعية لمقالات الكاتب الكولمبي الشهير غابرييا غارسيا ماركيز

عنوان المدونة:
المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ساعة اينشتاين الأخيرة

كتبها وليد سليمان / ديدالوس ، في 7 فبراير 2008 الساعة: 08:55 ص





كانوا يلقبونه "اينشتاين"، ولم يكن ذلك بلا سبب. فلم يكن يستعصي عليه أي نوع من الساعات، حتى الأكثر تعقيدا في مكوناتها كالساعات الألمانية. سواء تعلق الأمر بالساعات السويسرية، الأكثر دقة في العالم، أو الساعات الايطالية المعروفة بأناقتها، أو الساعات الانجليزية غالية الثمن،كان اينشتاين حاضرا دائما ومستعدا لقبول التحدي.

كانت ورشته تتمثل في علبة كرتونية، يضعها أمامه في أحد شوارع العاصمة الأكثر حركية، ويضع عليها جميع لوازمه كالمفك والكلابة والعدسة المكبرة وغيرها من أدوات صنعته. كان يقرفص على الأرض أمام علبته الكرتونية، ومقابل مبلغ زهيد جدا يصلح لك ساعتك على الفور، وقد بلغني انه موجود هناك منذ أكثر من عشرين عاما.

خلال هذه السنوات العشرين، مرت على يدي اينشتاين جميع أنواع الساعات، وأكثرها تعقيدا. وكان يشعر بالرضى لكونه لم تستعص عليه، طيلة هذه السنوات، أي ساعة مهما كانت عبقرية صانعها ومهما كانت براعة مصممها. .

 

***


كنت أعمل في دكان لبيع الملابس يقع في مواجهة الرصيف الذي ينتصب فيه اينشتاين، وهو ما سمح لي بمراقبة دقيقة لحركاته دون أن يتفطن إلى ذلك. وهكذا كنت أراه عندما يأتي في الصباح بشعره المشعث، ويبدأ في ترتيب أغراضه على علبته الكرتونية.

ما إن تعطي لاينشتاين ساعتك المعطلة، حتى يشرع في إصلاحها على الفور، إن لم يكن مشغولا بإصلاح ساعة أخرى. وبحركات دقيقة، كانت تتكرر طوال أشهر وأشهر، كنت أراه يضع العدسة المكبرة في إحدى عينيه، ثم يفتح الغطاء الخلفي للساعة بعد أن يقربها من أذنه، وكأنه بذلك يستمع إلى نبضها ليعرف علتها.

كانت لاينشتاين عينان جاحظتان وشعر رمادي مجعد وطويل يصل إلى كتفيه. ولاحظت خلال أيام مراقبتي له الطويلة أنه كان يرسل خصلات شعره الطويل خلف كتفيه، وحين تقع بين يديه ساعة يجد بعض الصعوبة في إصلاحها، كنت تشعر باضطراب حركاته، وتراه يمسك شعره بيده اليسرى ويشده بشريط مطاطي.

لم يكن اينشتاين في الغالب يحدد ثمنا عند إصلاحه الساعة المعطلة، بل كان يأخذ بصمت ما يجود به عليه الزبائن. ومهما كان المبلغ الذي تعطيه إياه، فانه لا ينظر إليه، بل يضعه في جيب سترته السوداء البالية، ويواصل عمله بصمت. ولكن، أحيانا، عندما يتطلب إصلاح ساعة من الساعات الكثير من الوقت، كان اينشتاين يخرج عن صمته، ويطلب دينارا. وقد فهم زبائنه في ما بعد، أن الدينار يعني بالنسبة إليه أن عملية الإصلاح كانت شاقة جدا.

***

لم يكن اينشتاين يحب الكلام. وقد باءت محاولاتنا جميعا لاستدراجه إلى الكلام بالفشل.
كان دقيقا مثل الساعات التي يصلحها. وبفضل ما اشتهر به من إتقان في عمله، صار الزبائن يتوافدون عليه من كل مكان ويفضلونه على الدكاكين التي تطلب مبالغ مشطة مقابل إصلاح الساعات، وهي مبالغ ترتفع كلما كانت الساعة أكثر تعقيدا.

لم يكن اينشتاين يقطع عمله إلا عند الظهر، حيث يغتنم أول فرصة تقل فيها حركة الزبائن، ليأكل رغيفا من الخبز مع قطعة من الجبن. فهكذا هي حياة اينشتاين: خبز وجبن وعمل.

وفي الخامسة بعد الظهر، يضع اينشتاين كل لوازمه في كيس بلاستيكي، ثم يضع ذلك الكيس في علبته الكرتونية، ويغادر المكان.

***

مازلت أذكر ذلك اليوم جيدا. فبالرغم من أنه يوم من أيام الربيع، إلا أن الحرارة قد بلغت حدا لا يطاق. وقد لاحظت قبل الظهر بقليل أن اينشتاين كان يشد شعره الطويل بالشريط المطاطي. وعرفت حينئذ أن الساعة التي كان يقوم بإصلاحها فيها بعض الصعوبة.

لم أدرك خطورة الموقف إلا في حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر حين عدت بعد الغداء لأفتح الدكان. لاحظت على الفور أن اينشتاين لم يكن في حالة عادية. كان وجهه يبدو محتقنا وقد تحول لونه إلى أزرق يميل إلى البنفسجي. كان عرق غزير يغطي كامل جسده، وكأنه غطس للتو بملابسه في حوض ماء. وكان يمسك بين يديه ساعة لم تكن تبدو - في ظاهرها- مختلفة عن غيرها من الساعات، إلا أن اضطراب اينشتاين ونظرته الزائغة كانا يدلان على ما يكابده. لقد أخرج من كيسه كل الأدوات تقريبا، وهذا لم يحدث أبدا منذ عرفته. حينئذ أيقنت أن أمرا خطيرا سوف يحدث.

انشغلت قليلا ببعض الزبائن. وحين هدأت الحركة في الدكان رفعت رأسي قليلا وصوبت نظري نحو المكان الذي يجلس فيه اينشتاين. إلا أني لم أتبين شيئا في أول الأمر. لقد كان الناس متجمهرين حول اينشتاين، وجعلوا بازدحامهم رؤيته غير ممكنة. تعجبت من ذلك، صحيح أن الناس يزدحمون أحيانا حوله لإصلاح ساعاتهم، إلا أن الأمر لم يصل أبدا إلى ذلك الحد.

بات أكيدا من خلال احتشاد الناس، وازدياد عددهم بسرعة كبيرة، أن شيئا ما قد حدث أو هو بصدد الحدوث. وطلبت من زميلي في الدكان أن يعتني بالزبائن ريثما أعود.

توجهت إلى الرصيف الآخر حيث ينتصب اينشتاين عادة، ولكن ازدحام الناس منعني من الاقتراب منه ولم أستطع حتى رؤيته.

سألت شخصا كان يقف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مدار السرطان/ ماريو بارغاس يوسا

كتبها وليد سليمان / ديدالوس ، في 7 أكتوبر 2006 الساعة: 16:35 م

 

مدار السرطان

ترجمها عن الاسبانية: وليد سليمان

مازلت أذكر جيدا كيف قرأت مدار السرطان منذ ثلاثين عاما، بسرعة و انتشاء، خلال ليلة واحدة. لقد تمكن صديق لي إسباني من العثور على نسخة باللغة الفرنسية من هذا الكتاب العظيم والرجيم الذي كانت تروى حوله في ليما العديد من الخرافات. وعندما رآني صديقي شديد الرغبة في قراءته أعاره لي لبضع ساعات. لقد كانت تجربة غريبة، شديدة الاختلاف عما كنت أتخيل، ذلك أن الكتاب لم يكن فضائحيا، مثلما كان يروج عنه، بسبب المقاطع الفضائحية التي كان يحتوي عليها، وإنما بالأحرى بسبب ابتذاله وعدميته المرحة. و قد ذكرني بسيلين التي تتحول الألفاظ البذيئة والقذارة لديه إلى شعر، كما ذكرني بـ”نادجا”(1 )، إذ أنه مثل في كتاب بروتون، يتحول الواقع اليومي الأكثر ابتذالا إلى صور حلمية وكوابيس محيرة. أبهرني الكتاب، ولكن لا أعتقد أنه قد أعجبني. لقد كنت حينئذ - ولا زلت- أتمسك بالاعتقاد المتمثل في أنه على الرواية أن تروي حكايات لها بداية ونهاية الغاية منها التصدي لفوضى الحياة بنظام اصطناعي بليغ ومقنع. إن ” مدار السرطان”- و كل كتب ميلر اللاحقة- هي خليط من الفوضى الخالصة والفوضوية الصاخبة والهذر الرومانسي العظيم والرائع، يخرج منه القارئ مصابا بدوار ومبلبلا وأكثر اكتئابا بقليل- فيما يتعلق بالوجود الإنساني- مما كان عليه قبل رؤية هذا المشهد. إن خطر هذا الأدب المتحرر والمشوش يتمثل في الوقوع في الثرثرة، و لم يسلم هنري ميلر، مثله مثل “الرجيم” الآخر المعاصر له جان جينيه من ذلك. ولكن “مدار السرطان”، روايته الأولى، قد نجت لحسن الحظ من ذلك الخطر. وهي بلا أدنى شك أفضل كتبه على الإطلاق، وإحدى أعظم الإبداعات الأدبية في فترة ما بين الحربين، كما تعتبر الرواية الأقرب إلى التحفة الأدبية من بين أعمال ميلر.
و اليوم أعدت قراءة هذه الرواية بمتعة حقيقية. وقد خففت الأيام وأخلاق عصرنا الرديئة من عنفها ومما كان أقرب إلى الجرأة البلاغية. فقد صرنا نعرف اليوم أن الضراط والتمخط يمكن كذلك أن تكون لهما جمالية. ولكن كل هذا لم يضعف من سحر نثره كما لم ينقص من قوته، بل على العكس، لقد زاده ذلك مسحة من السكينة ونوعا من النضج. وعندما ظهر الكتاب سنة 1934، لدى ناشر يكاد يعمل في الخفاء، في منفى ميلر اللغوي، وتحت وطأة المنع والهجومات التي لا تهدأ، كان ما يتم التأكيد عليه أو يعرض الكتاب للعنة هو انتهاكه للمقدسات ووقاحته التي تجعل أسوأ البذاءات تأخذ مكان ما يعتبر ذوقا سليما، فضلا عن الهاجس الغائطي. أما اليوم فقد صار هذا العنصر من الكتاب يصدم القليل من القراء. ذلك أن الأدب الحديث قد تبنى هذا التقليد الذي دشنه ميلر في “مدار السرطان”، والذي صار شائعا لدرجة أنه قد أصبح في كثير من الأحيان وبشكل من الأشكال كليشيها كما هو الشأن لهندسة العواطف في القرن الثامن عشر أو التقيؤ على البرجوازيين في المرحلة الرومانسية أو الالتزام تاريخيا في زمن الوجودية. لقد كفت العبارات البذيئة عن كونها بذيئة منذ زمن طويل وابتذل الجنس وطقوسه إلى حد بعيد. و كل هذا بالطبع لا يمنع من وجود بعض المساوئ. ولكن من بين المسائل المؤكدة لهذه التطورات هو أننا أصبحنا أخيرا قادرين على أن نثمن في هنري ميلر الفنان الأصيل، هذا فضلا عن تمرده اللغوي و موهبته كروائي اباحي.
لقد كان هنري ميلر كذلك بلا أدنى شك، مبدعا حقيقيا له عالمه الذاتي، و له رؤية خاصة للواقع الإنساني والأدب تميزه بجلاء عن باقي كتاب عصره. كما أنه مثل في زمننا، مثله مثل سيلين و جينيه، هذا التقليد الشيطاني المتمثل في انتهاك المقدسات بكل أنواعها، الذي جعل الكتابة على مدى التاريخ تحديا لما تقتضيه لياقة العصر، ونتوءا على سطح التناغم الاجتماعي واستعراضا جماهيريا لكل القاذورات والأوساخ التي يصر المجتمع- وهو محق في ذلك أحيانا- على قمعها. وتلك هي إحدى أهم وظائف الأدب: تذكير البشر بأنه مهما بدت لهم الأرض التي يعيشون عليها، صلبة، ومهما بدت لهم المدينة التي يسكنوها عامرة، فإن هناك شياطين مختبئة في كل مكان يمكنها أن تتسبب في طوفان في أي لحظة.
إن الطوفان والقيامة هما لفظان يتبادران إلى الذهن فورا عند الحديث عن “مدار السرطان”، بالرغم من أنه لا يوجد في الكتاب دم آخر غير الذي يسيل في مشاجرات السكيرين و حرب أخرى غير السفاحات (الضارية دائما) التي تمارسها شخصياته. ولكن هناك إحساس بكارثة عظيمة يسري، ويحدس القارئ أن كل ما يروى هو على وشك أن يبتلعه هولوكوست عظيم. وهو ما يدفع هذه الإنسانية الفاتنة والصاخبة إلى العيش في مثل ذلك الانحلال المسعور. إنه عالم قد وصل إلى نهايته، وبدأ ينحل أخلاقيا واجتماعيا في مجون هستيري في انتظار أن يحل الطاعون والموت، مثلما هو الحال في أحد مشاهد جيروم بوش الخارقة الوحشية. ومن وجهة نظر تاريخية، يعتبر كل هذا مؤكدا تماما. فقد كتب ميلر هذه الرواية في باريس بين 1931 و 1933 في الوقت الذي كانت تتهيأ فيه الحرب الشاملة التي سوف تمسح أوروبا مسحا بعد سنوات قليلة. كانت سنوات ازدهار وبذخ ولا وعي بهيج وإبداعي رائع. وكانت كل النزعات الجمالية الطليعية في ازدهار، والسرياليون يثيرون افتتان المحدثين بصورهم الشعرية و “عروضهم المثيرة”. لقد كانت باريس العاصمة الفنية للعالم وعاصمة السعادة الإنسانية.
في “مدار السرطان” يظهر قفا الميدالية. فالعالم الذي تصوره هذه الرواية باريسي، غير أنه شديد البعد عن مجتمع المظفرين والمتفائلين المترفين هذا، وهو يتكون من أناس منبوذين، ورسامين وكتاب مزيفين، وهامشيين وطفيليين يعيشون في أطراف المدينة دون أن يشاركوا في الاحتفال، بيد أنهم يتشاجرون على فضالته. هم منفيون لم يعد لهم أي اتصال ببلدانهم الأصلية- أمريكا أو روسيا- غير أنهم لم يتجذروا في باريس وظلوا يعيشون في وضع ثقافي يكتنفه الغموض. وجغرافيته تتكون من مواخير وحانات ونزل مشبوهة وبيوت قذرة ومطاعم بائسة وحدائق وساحات وشوارع تجتذب المتشردين. ولكي لا يهلك الإنسان في هذا البلد القاسي تصبح كل الوسائل مقبولة، بداية من العمل الشاق- مصحح في جريدة- إلى العادة المتمثلة في الاقتراض من الأصدقاء، والتشبه بالقوادين والمحتالين. وتظل النوايا الفنية المبهمة- كتابة رواية أساسية أو رسم لوحات مخلّصة، الخ.. هي الذريعة الأخلاقية الأكثر تواترا في خضم هذا الغاب، ولكن الأمر الجدي الوحيد، في الحقيقة، هو افتقاد الناس للجدية، وتشوشهم ولا مبالاتهم السلبية وتفككهم البطيء.
ذلك هو العالم، أو بالأحرى العالم التحتي الذي عايشته عن قرب في نهاية الخمسينات، وأنا على يقين من أنه لم يكن مختلفا كثيرا عن ذلك الذي كان يتردد عليه ميلر والذي ألهمه “مدار السرطان” قبل عشرين عاما. وكان موت هذه البهيمية الباريسية البطيء واللامجدي يثير اشمئزازي. فلم أحتك بها- مجبرا- إلا عندما لم يكن لدي خيار آخر. ولهذا بالذات أستطيع أن أقدر، حق قدرها، المأثرة المتمثلة في إعادة تشكيل هذا الوسط. وهؤلاء الناس والطقوس، وكل هذه الرداءة الخانقة التي نجدها في الحياة المأسوية والبطولية لشخصيات هذه الرواية، إعادة تشكيلهم أدبيا. لكن لعل أكثر ما يلفت الانتباه هو أنه في مثل هذا المناخ الذي ينخره الجمود والانهزامية، قد أمكمن لمشروع خلاق وطموح مثل”مدار السرطان” أن يصاغ و يتحقق. ( لقد أعيدت كتابة الرواية ثلاث مرات و اختصرت في نسختها النهائية إلى الثلث).
فالأمر يتعلق هنا بعملية إبداعية أكثر منه بشهادة. ولا أحد يشك في القيمة الثقافية للكتاب، غير أن إضافات مخيلة ميلر وأفكاره المشحوذة تطغى على العنصر التاريخي في الكتاب وتمنح رواية “مدار السرطان” قيمتها الأدبية. السيرة الذاتية في الكتاب مظهر خارجي أكثر مما هي حقيقة، وهي حيلة سردية تهدف إلى صياغة العمل الروائي بشكل يجعله قابلا للتصديق. وهم ما يحدث حتما في أي رواية، مهما كانت نو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي