في أخبار الأدب هذا الأسبوع: "وجه سيزيف بأقنعة شتى" بقلم: د. مصطفى الكيلان

كتبهاوليد سليمان / ديدالوس ، في 30 يونيو 2008 الساعة: 10:12 ص

121482

1-

ثمّة مشترك دلالي تقريبيّ يصل بين مُختلف أقاصيص “ساعة اينشتاين الأخيرة” لوليد سليمان (1) يمكن اختصاره بدءا وليس انتهاء في المُفتـَقـَد، هذا الموصوف المرجعي تؤدّيه الذات الساردة بمتعدّد اللحظات والشخصيات والمواقف من خلال تسعة مشاهد قصصيّة، الواصل بين أغلبها ضمير مفرد متكلّم، هو الشاهد على ما يحدث بالاسترجاع عند إحالة الأحداث على سياقات أزمنة مختلفة.

فيعرض لنا بـ”ساعة اينشتاين الأخيرة” (2) الواردة في بدء المجموعة، الوجه الأول لهذا المُفتقـَد مُمَثـّلا في شخصية الساعاتي المُكنّى “اينشتاين”، وقد اتّخذ له شاكلة السرد المشهدي السينمائيّ الذي يتحدّد بستة مقاطع تتواصل عبر ذاكرة السارد وموقع الرؤية القائمة على التـّبعيد حينا والتـّقريب أحيانا. فتتعالق أدبيّة السرد والمشهديّة السينمائيّة في بنية مُشترَكة تعتمد التواتُر في المقاطع السرديّة الثلاثة الأولى بتكرار الفعل عند توصيف أعمال “اينشتاين” كي يحدث الإبدال منذ المقطع الرابع : “مازلت أذكر ذلك اليوم جيدا. فبالرغم من أنّه يوم من أيّام الربيع، إلا أنّ الحرارة قد بلغت حدا لا يطاق” (3)، لينزاح السرد عن تكرار الفعل ممثّلا في اقتدار “اينشتاين” على إصلاح كل الساعات مكتفيا بالأجر الزهيد إلى إحداث مفاجئ سرّع في مسار الفعلية عبر كل من المقطع الرابع والخامس والسادس حينما عجز الساعاتي ولأول مرة، عن إصلاح الساعة التايوانيّة الرخيصة. وإذا الفعليّة التي تُحَدّ بها شخصية اينشتاين تتّخذ لها إصلاح الساعات مسلكا وجوديّا في الأصل والمرجع قصد إثبات الإرادة وتحدّي الوهن وأبسط أدوات الإصلاح في كيس بلاستيكيّ، وعلى الرصيف في أحد شوارع تونس العاصمة.

-2-

هو الشعور بالنُقصان يحفز الشخصية على الفعل لمُغالبة ثقله المضجر بالفعل وتكراره دُون توقــّف ولتأجيل كارثته التي تحققــّت في الأخير بحدث الانتحار.

فنتمثل بهذه المسار الحدثيّ بنية مشهديّة صيغت بتفاصيل الأحداث وموصوف الأشياء داخل المكان الأوّل، ذلك الرصيف المقابل للمتجر حيث يشتغل السارد، وضمن المكان الثاني مُمَثــَّلا في شقــّة “اينشتاين” الذي قضى آخر لياليه في صراع مع الساعة التايوانية المعطوبة دون جدوى، لينقضي المشهد الأخير بالفاجعة.

وبهذا الوصف المشهدي تمثــّل أولى أقاصيص المجموعة موقفا سيزيفيّا استمدته الذات الساردة من زخم الوقائع المعيشة بوصفيّة هي أقرب إلى المُطَابَقة، وبإيحاء أخصَبَه وهَج تلك الوقائع التي تحولت بفعل السرد من أحداث عابرة إلى لحظات استثنائية تتجاوز حدود المكان والسياق المجتمعي التي تحيل عليه الأقصوصة إلى مجال أرحب، هو الحياة الإنسانية حينما تسفر دلالة النقصان عن الرغبة في تواصلها مع إرادة الفعل وارتداد هذا الفعل إلى أحطّ مراتب العجز لتصطدم الرغبة آنذاك بنقيضها الذي هو الموت الملازم لها والحافز على مزيد من الرغبة في حالات الكائن المختلفة الذي يصرّ على الاستمرار في الوجود، كأن تلوذ به فرارا من جحيم الوهن الناتج عن خيبة الأمل، الملل، الرعب…فتتسع دائرة المفتقد في ذات الشخصيّة القصصيّة كي يستحيل الوجود إلى وضع غير محتمل. وبذلك تتدحرج صخرة “سيزيف” إلى أسفل الوهاد مخلـّـفة وراءها جثـّة هامدة.

وإن حقــّـق “اينشتاين” الساعاتيّ بعضا من التوازن النفسي آن تـَقـْضيَة الرغبة بالفعل وتكرار الفعل نتيجة التواصل النابض حياة بين الجسد والعقل فقد اصطدم الفعل أخيرا بصخرة الاستحالة حينما تعطّـلت الإرادة بعجز العقل عن أداء وظيفته وفقدت الرغبة الأساس الذي به كانت وتكون، ليتقوّض كل شيء ويضحي الجسد كلاشيء، فينتفي وجوده قبل أن يهلك بعد أن فـَقـَد أهمّ صفاته الجسديّة التي تفارق بين جسد الموجود (Etant) ، بالمنظور الهيدغري، والجسم، أي جسم.

-3-

كذا يتـّسع المجال التناصّيّ باستقدام المشهديّة السينمائيّة، في تقديرنا، القرائيّ، إلى أدبيّة السرد، وبالتوغّل في كتابة سردية تحتفي بذلك “السطح العميق” حيث الواقعية أبعد من أن تفتعل بالمطابقة الساذجة، والرمز ماثل في الموصوف السرديّ ذاته، بلا تقصّد للإغماض، كأن تفكّ شفرته عند القراءة دون كبير عناء.

ولعل المُفتـَقـَد، هنا، الذي يختصر مجمل تاريخ المأساة الإنسانية، إضافة إلى معنى اللا ّ-مُكتـَمـَل في الوجود وفعليّته يتحدّد أيضا بصَمَم العالم، بوهم استماع الآخر للموجود، للاعتراف به على الأقلّ، لإثبات أنّه موجود مختلف.

لذلك تتّسع دائرة هذا المفتقد كي تبتلع مجمل الكيان حينما يستبدّ الثقل مطلقا بالخفـّة أو إمكان الخفـّة (4)، وينقضي مشهد الكائن البشريّ المستعاد في الوجود بـ”الصخرة” تهوي إلى أبعد الأسافل وبالـ”جثّة” الهامدة.

-4-

إنه الانقطاع، إذن، يتوّج آخر لحظات مشهد المفتقد، أو الانقضاء، يرد استباقا عند الاستذكار السرديّ، كالذي تشي به أقصوصة “قي ساحة جان جينيه” من أحداث عبرت مساحة الذات ثم تلاشت لتترك أثرا لوجهٍ كان وقطيعة وجوديّة بين لحظتين متباعدتين، بين معرفة عابرة لشخص مختلف وصورة وجهٍ معلـَّقة فوق أحد رُفوف الكُتُب: “تركت الباب الذي كان في يدي على الرفّ كيفما اتّفق وتقدّمت نحو الصورة لأقرأ ما كـُتب تحتها. وحين قرأتُ الإسم، لم أصدّق أن ذلك الشخص الحليق الذي كان يجلس بجانبي ويحادثني هو صاحب تلك الصورة: جان جينيه” (5).

ويستمرّ السّارد في تقليب هذا المُفْتقـَد، إذ تسفر أقصوصة “ثلاث ساعات في فيوميتشينو” عن حَدَث آخر لهذا الذي يعرض أو يعبر حياة الكائن البشري كي يحدث ندبا عميقا في النفس ووقعا دفينا ينذر بالانقضاء القادم بناء على انقطاع ٍ كان، كالفتاة “أنابيلا” الإيطالية تظهر في لقاء عارض مع الأنا-السارد لتترك تذكارا وذكرى لأثر ضائع (6)، وكرمزيّة المعاناة تتضمّنها أقصوصة “محاولات سيزيف” بتحمّــُل “الثقل” إلى آخر لحظة في الوجود، وكالعقل في “كلام مجانين” ينتهي إلى الجنون، وكسحر البدايات في “القبلة” يترك في النفس حنينا إلى لحظة سعادة أولى متقضِية لا يمكن استعادتها، وكفرح الكتابة الأولى بعد الشروع في قراءة “دوستويفسكي”، وكموت الأم وقرار الأب الزواج في “ذات مساء”، وحبّ أم البنين” لوضّاح اليمن، وهي الزوجة للوليد عبد الملك…

وإذا الوجود في “ساعة اينشتاين الأخيرة” (المجموعة القصصية) مشروط بالنُقصان، محكوم بذلك المفتقـَد الذي سرعان ما تتّسع دائرته ليشمل مُجمل الكيان.

ولئن اتـّجه السّرد القصصيّ إلى كتابة البعض من التفاصيل بواقعيّة المعيش اليوميّ، باستثناء “محاولات سيزيف” و”كلام مجانين” و”كابوس وضّاح” حيث الأفكار تتدخّل استنادا إلى ثقافة الكتابة عامّة فإن للشخصيات حضورا بارزا، بل إنّ السرد القصصيّ، هنا، هو في الأساس والبدء والمَرجع، سرد شخصيّات: اينشتاين والأنا- المُسافر و”أنابيلا” الفتاة الإيطاليّة والزوجان المجنونان والفتى العاشق والمراهق والفتاة الرسّامة والأب وأمّ البنين ووضّاح اليمن.

أما الواصل بينها فهي الرغبة تنقطع بسبب عجز في الداخل أو حدث طارئ أو تعطـّـُل إدراك عقليّ أو انقضاء زمن أو استحالة محض مَرَدّها تدخّل سلطة مجتمعيّة قاهرة. وفي كلّ الحالات والمواقف يتحدّد الموجود، شأن الوجود، باللا ّ- مُكتمَل، إذ يسعى الموجود بالوهم حينا والاستيهام (fantasme) أحيانا إلى تحقيق “الاكتمال” دون جدوى ليظلّ محكوما في الدّاخل بذلك الصراع التراجيديّ الحاد بين الإمكان والاستحالة، إذ تحفزه الرغبة على تحدي العجز ليصطدم مرارا وتكرارا بحقيقته المؤلمة.

ولئن اختلفت الأقاصيص باختلاف اللحظات والأساليب فان الجامع بينها رُوحٌ كتابية متوثّبة تسعى إلى انتهاج سبيل السرد القصصيّ برغبة المُطابَقة الموحية معا، واعتماد كيمياء الحكاية ووهج الشعر في بنية نصيّة واحدة مشتركة.

هو، لا شكّ، بدء المشروع الكتابيّ يعد ضمنا بنصوص قصصيّة وروائيّة، وربما شعريّة قادمة. فماذا، إذن، بعد “ساعة اينشتاين الأخيرة”؟

__________

الهوامش:

1- وليد سليمان، “ساعة اينشتاين الأخيرة”، تونس: منشورات وليدوف/ سلسلة ديدالوس، ط1، 2008.

2- عنوان إحدى الأقاصيص، والعنوان الجامع لها.

3- السابق، ص 12.

4- ميلان كونديرا، “كائن لا تحتمل خفـّته”، ترجمة ماري طوق، لبنان المغرب: المركز الثقافي العربي.

5- “ساعة اينشتاين الأخيرة”، ص 26.

6- “أخرجت من جيبي الدلفين، ورحت أتأمّله بخيبة…هذا كل ما تبقىّ من “بيلا” أو “أنابيلا” المولودة في مثل ذلك اليوم: السادس من أفريل، والتي لا أعرف إن كنت سألتقي بها مرّة أخرى”.

السابق، ص 40.


أخبار الأدب المصرية

العدد 781

29 يونيو 2008


أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر