الكاتب والمترجم التونسي وليد سليمان في حوار مع العرب العالمية: الادب هو فن الادهاش

كتبهاوليد سليمان / ديدالوس ، في 4 يوليو 2008 الساعة: 08:05 ص

alarab


العرب-عبد المجيد دقنيش:


إذا كانت الكتابة بالنسبة إلى البعض مجرد كلمات متقاطعة، فإن هذا الفتى وليد سليمان أثبت أن الكتابة كيمياء الروح واستشراف لعوالم سحرية واكتشاف لأغوار الذات، لأن المبدع الحقيقى حسب رأيه ليس إلا سندبادا للنفس البشرية.

ووليد سليمان هو من الوجوه الفاعلة فى الساحة الثقافية، يمارس الترجمة الأدبية عن الفرنسية والانجليزية والاسبانية ويشرف على قسم الترجمة بموقع دروب الثقافي. وقد ازدادت قدمه رسوخا فى الساحة الأدبية منذ مولوده الأول ومجموعته القصصية الصادرة حديثا ساعة أينشتاين الأخيرةالتى اكتشفنا فيها قصصا ممتعة مثل محاولات سيزيف وفى ساحة جان جينيه والقبلة وكلام مجانين والمراهق وتعرفنا فيها على شخصيات منفلتة من المكان والزمان ولكنها تشبهنا حد التطابق.. أو هى رجع صدى لأحلامنا وتيهنا وغربتنا فى هذا الكون.. ومعبّرة عن توق الانسان إلى التخلص من اللحظة السيزيفية لذلك أقرّ وليد سليمان فى هذا الحوار بأن على الكاتب أن يتحرر من المحلية الضيقة وينشد الكونية وحاول أن يكشف لنا أغوار شخصياته العجيبة التى تظهر فجأة وتختفى فجأة حسب إرادة السارد هذا المحرك الذى لا يتحرك .


ماهو شعورك وأنت تخرج للقرّاء باكورة أعمالك؟ المولود الأول هل له مذاق خاص مثل القبلة الأولى؟

طبعا للعمل الأول لذة لا تضاهيها لذة، فصدور الكتاب الأول يعتبر بمثابة التتويج بعد مرحلة المخاض المتمثلة فى الكتابة وإعادة الكتابة. ولكن حسن تقبل هذا العمل الأول يضع على عاتق الكاتب مسؤولية كبيرة ويدفعه إلى مزيد العمل لشد انتباه القارئ الذى صار صعب الإرضاء فى خضم هذا الطوفان من الأعمال الأدبية التى تنشر كل يوم هنا وهناك.


عنوان المجموعة القصصية ساعة اينشتاين الأخيرة فيه الكثير من الطرافة والإيحاء، فهل وجدت صعوبة فى اختيار هذا العنوان؟ ثم ما مدى أهمية العنوان فى أى عمل إبداعي؟

فى قصصى أولى اهتماما خاصا بالعنوان الذى يبقى بمثابة الواجهة فى العمل الأدبي. أما بالنسبة إلى عنوان المجموعة فهو مستمد من القصة الأولى. هناك عناوين تفرض نفسها على الكاتب الذى عليه أن يكون خلاقا ويبتعد عن الكليشيهات.


لاحظت من خلال مختلف التصديرات التى صدرت بها بعض القصص أن مرجعياتك كلها غربية عالمية من بورخيس إلى جيمس جويس، وجان جينيه وألبير كامو وبيكيت وفلاديمير نابوكوف. فهل جاء ذلك صدفة أم هو توظيف ومحاولة للتأثير على القارئ عبر هذه القامات الكبيرة فى الكتابة؟

أولا أريد أن أؤكد أن التصديرات فى قصص ساعة اينشتاين الأخيرة ليست من باب الترف أو الزينة، بل هى تدخل فى نسيج الكتابة وتم توظيفها بعناية. وان قراءة واعية لهذه المجموعة تؤكد أن مدلولات القصص المُكوّنة لها قد تتغيّر تماما إذا حذفنا هذه التصديرات. إن هذه الطريقة فى الكتابة، فى اعتقادي، تخلق نوعا من الحوار الإبداعى بين القاص وكـُتّابه الأثيرين. الكاتب يستحضر الكتّاب الذين يحبّهم وهو يعلن بذلك عن الأسرة الأدبية التى ينتمى إليها.


فى الحقيقة هذا السؤال يجرنا إلى الحديث عن أهم المدارس والتجارب التى تأثر بها وليد سليمان؟

كى أكون دقيقا سأقول إنى تأثرت بأعمال أدبية بعينها أكثر مما تأثرت بمدرسة أو بمذهب أدبي. طبعا هناك كتاب مفضّلون، وفى حالتى أذكر مثلا: نابوكوف، كويتزي، ماركيز، جويس،همنغواي، فوكنر، بورخيس، بولغاكوف…وكل كاتب من هؤلاء يِؤثر فيك من ناحية معينة. قد نتأثر بلغة كاتب، أو بتقنيات الكتابة لديه أو باستراتيجيات السّرد أو حتى بطريقة إعادة إنتاجه للواقع. ولكن فى حالتى لا تقتصر التأثيرات على الأعمال الأدبية وإنما تتعدّاها إلى طرق التعبير الأخرى مسرح، سينما، فوتوغرافيا، فن تشكيلي…. فالكتابة الحديثة تقوم على هضم التعبيرات الفنية المختلفة وإعادة إنتاجها ضمن نسيج لغوى معقد وبأدوات سردية متجددة.


لاح بوضوح فى هذه المجموعة القصصية تأثرك بمناخات عالمية معينة وكأنى بك تدحض انتماءك إلى بيئة ضيّقة وتتنصل من الجغرافيا وهذا نلمسه خاصة فى إطلاقية الزمان والمكان وكونية الأحداث فى أغلب القصص، فهل ينطبق عليك ما جاء على لسان إحدى الشخصيات فى قصة فى ساحة جان جينيه حين قالت :كل العالم وطني…الجغرافيا لا تهمنى كثيرا…؟

على الكاتب، فى نظري، أن يتحرر من المحليّة الضيقة وينشد أفقا أرحب. لقد صرنا نعيش فى عالم انهارت فيه الحدود وألغيت فيه المسافات، فلماذا لا ينطلق الكاتب فى عملية استكشاف لعوالم جديدة وأماكن مختلفة؟…ولكن ذلك لا يمنع الإنسان من أن يتجذر فى محيطه ويتشبّع ببيئته. فأنا، رغم هذه النزعة الكونية التى أدعو إليها، حريص كل الحرص على التمسّك بالثوابت والالتصاق بالهوية. قد يتغيّر الديكور فى قصصي، ولكن الشخصيات تبقى منخرطة فى سياقها ومحيطها وحاملة لهموم الآن وهنا.


برأيك كيف تفسّر هذا التلازم والجدليّة بين الإبداع وذات المبدع المشرئبة، القلقة والباحثة أبدا عن الانعتاق من الأطر الزمكانية تأصيلا لقولة المتنبي: وإذا كانت النفوس كبارا ** تعبت فى مرادها الأجسام؟

من أهم وظائف الأدب الإدهاش والبحث عن أفق أرحب والسفر فى الزمان والمكان. والشخصية الأدبية الناجحة هى تلك التى يتماهى معها القارئ بسهولة ويحقق من خلالها ما يعجز عن تحقيقه فى الواقع. ولعل الملاحم الأدبية العظيمة مثل الأوديسة وجلجامش أبرز مثال على هذا التوجّه، فبتماهى القارئ مع أنكيدو أو أوليس، يكسر قيود واقعه المبتذل ويسافر إلى عوالم بعيدة. والمبدع الحقيقى ليس إلا سندبادا للنفس البشرية ومستكشفا لأغوار الذات.


هناك حضور للجانب الذاتى وطغيانه فى عدّة قصص مثل فى ساحة جان جينيه والمراهق، أفلا تخاف من السقوط فى إغواء تضخم الذات المبدعة والأنا وطغيان السرد الذاتى للواقع على الجانب الفني؟

إن حضور الأنا فى بعض قصص المجموعة لا يعكس تضخما للذات بقدر ما يعبّر عن تقنية فى السرد تستدرج القارئ بجعله يتماهى مع الأنا الساردة. وهذه التقنية لها مزية الزجّ بالقارئ فى متاهات الحكاية وجعله ينظر إلى الأمور بعين السارد. إذن لا يجب النظر إلى الأنا على أنها ضرب من النرجسيّة أو تضخّم الذات.


أنت تمارس الترجمة الأدبية عن الفرنسية والانجليزية والاسبانية وتشرف على قسم الترجمة بموقع دروب فكيف ترى واقع الترجمة ومستقبلها فى العالم العربي؟

واقع الترجمة الأدبية فى العالم العربى تنطبق عليه حسب رأيى مقولة تسمع جعجعة ولا ترى طحنا.
هناك مبالغ ضخمة تنفق فى هذا المجال ولكن النتائج هزيلة ومخيبة للآمال، وسبب ذلك فى رأيى يعود إلى غياب مسح شامل ومنهجى يسمح بمعرفة الإمكانيات المتاحة والتخطيط لأفضل سبل استغلالها. كما أن غياب التنسيق على المستوى العربى فاقم هذه المشاكل وأدى إلى إهدار الكثير من الجهد والوقت. ومع ذلك لا بد أن ننوّه ببعض التجارب الناجحة التى أثبتت جدواها وديمومتها مثل سلسلة عالم المعرفة وسلسلة المسرح العالمي التى صارت تسمى إبداعات عالمية من الكويت والمشروع القومى للترجمة الذي أطلقته مصر. وهناك مشاريع بصدد التركيز نأمل لها النجاح مثل مشروع ترجم الإماراتي الذي يعد بالكثير.


من خلال انفتاحك وحضورك الفاعل والمكثف فى فضاء الانترنات، هل ترى أن هناك تأثيرا وتبدلا فى طرق الكتابة والقراءة والترجمة بفضل هذه الفضاءات والبوابات الالكترونية الكثيرة؟ وهل هو تأثير ايجابى أم سلبي؟

الأدب هو الأدب سواء كان منشورا على حامل ورقى أم على موقع إلكترونى أم على قرص مضغوط، ولكن طريقة تسويقه هى التى تتغير. وأعتقد أن النص الجيد يفرض نفسه بقطع النظر عن شكل تقديمه إلى القارئ. ومع ذلك من المهم أن نؤكد على خصائص صارت تجعل من النشر الإلكترونى على شبكة الانترنت تجربة مختلفة ومثيرة. أتحدث هنا خاصّة عن التفاعليّة التى هى السّمة الأساس للنشر الإلكتروني. وسأعطيك مثالا معبّرا: لقد نشرت قصتى ساعة اينشتاين الأخيرة أوّل مرة فى موقع دروب الإلكتروني، وأدّت تعليقات القراء إلى نقاش مثمر جعلنى أغيّر نهاية القصة وعنوانها بناء على رغبة القارئ. إننا الآن فى عصر الأدب التفاعلى وعلينا أن نستفيد من هذه الإمكانات بأفضل شكل ممكن.


هل سيساهم الانتشار السريع لهذه البوابات فى تعميق أزمة القراءة والكتاب أم فى اكتشاف طرق جديدة للقراءة وفرسان جدد فى الكتابة؟

رغم ما يبدو من أزمة ظاهرة للكتاب، إلا أن الكتب تباع اليوم أكثر من أى وقت مضى. وهذا أمر تؤكده الإحصائيات. الخوف إذن ليس من اندثار الكتاب ولكن من اندثار القارئ الذى تعددت أمامه سبل الترفيه ووسائل الاتصال. ومع ذلك، على حكوماتنا فى العالم العربى أن تضع الكتاب فى أعلى سلم أولوياتها و توليه عناية أكبر.


تفاجأت بغياب القصة القصيرة جدا فى مجموعتك الأولى هذه، فهل هو موقف من هذا النمط المستحدث فى القصة أم لديك بعض المحاولات التى لم يحن قطافها بعد؟

على عكس ما يظن البعض، القصة القصيرة جدا ليست جنسا أدبيا مستحدثا وإنما هى جنس يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر. وقد مارس عدد من كبار الكتاب هذا النوع من القص من أمثال كافكا وبريشت والكاتب اليابانى ياسونارى كاوباتا. وبلغ هذا الفن ذروته لدى كتاب أمريكا اللاتينية مثل بورخيس و”ماريو بينيديتي وإدواردو غاليانو. أعتقد أن هذا الجنس الأدبى الصعب لم يبلغ بعد سن الرشد فى العالم العربي، فبالرغم من كثرة القصص القصيرة جدا إلا أن قليلا منها يقنعك بجودته.

شخصيا لدى بعض التجارب فى هذا المجال إلا أنها لم تجد لها مجالا للنشر فى هذه المجموعة نظرا لأن القصص التى تكونها يربط بينها نوع من الوحدة المعنوية، وان كان نص محاولات سيزيف يقترب كثيرا من هذا النوع من الكتابة.


ماهى إصداراتك القادمة؟

لدى عدد من الكتب المترجمة جاهزة للنشر، إضافة إلى نص روائى أشتغل عليه حاليا وأتركه مفاجأة للقارئ.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الكاتب والمترجم التونسي وليد سليمان في حوار مع العرب العالمية: الادب هو فن الادهاش”

  1. السلام عليكم

    موقع أكثر من رائع شكرا لكم

    موضوع جميل جدا يستحق القراءه

    يوتيوب فيديو فرحتي

    http://www.fr7ty.com

    منتديات نسائيه

    http://www.fr7ty.com/vb



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر