أعيش لأرويها
كتبهاوليد سليمان / ديدالوس ، في 7 سبتمبر 2006 الساعة: 10:49 ص
أعيش لأرويها:
ماركيز في مذكراته

في سيرته الذاتية والأدبية التي اختار لها عنوان "أعيش لأرويها"، برهن الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز مرة أخرى على ما لا يحتاج إلى برهان، وهو أنه كاتب غير قابل للتقليد وواحد من أعظم كتاب عصرنا. بأسلوبه الباروكي والمحكم الذي عودنا عليه في أغلب أعماله يأخذنا ماركيز في رحلة ممتعة، في الزمان والمكان، يسرد فيها السنوات الثلاثين الأولى من حياته التي تعتبر سنوات التكوين بالنسبة إليه، في مناخ كولومبي متقلب عسكريا وسياسيا.
في التصدير الذي يستهل به الكتاب والذي يقول فيه: "الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه"، يبدد ماركيز كل التباس بخصوص منهجه الأدبي وطريقة تناوله للواقع في كتبه. فكثيرا ما أساء القراء والنقاد فهم "الواقعية السحرية" التي يعتبر ماركيز من أبرز ممثليها معتقدين أن عوالم ماركيز العجائبية ليس لها أي أساس في الواقع وأنها مجرد فانطازيا وتهويمات.
وقد أفرد ماركيز في سيرته حيزا كبيرا للحديث عن تجربته الصحفية، حيث مثلت الصحافة مختبرا حقيقيا بالنسبة إليه والباب الواسع الذي دخل من خلاله إلى الأدب: "لم أتصور قط أن قصتي القصيرة الأولى ستنشر بعد تسعة شهور على تخرجي من الثانوية، في الملحق الأدبي "نهاية الأسبوع" الذي تصدره جريدة الإسبكتادور في بوغوتا، وهي أكثر صحف تلك المرحلة أهمية وصرامة". وعن ثاني نص أدبي ينشره يقول ماركيز: "بعد اثنين وأربعين يوما من ذلك، نشرت القصة القصيرة الثانية. ومع ذلك، فان أكثر ما فاجأني هو الملاحظة التكريسية التي كتبها نائب مدير الجريدة، ومدير الملحق الأدبي، إدواردو ثالاميا بوردا، الملقب أوليسيس، وكان ألمع ناقد أدبي آنذاك والأكثر تيقظا لظهور قيم أدبية جديدة". وهكذا فان ماركيز قد لفت إليه الانتباه منذ بداياته، لتحقق بعد ذلك روايته "مائة عام من العزلة" أعلى مراحل الشهرة التي ستكلل بحصوله على جائزة نوبل للآداب في العام 1982.
وضمن قائمة التأثيرات الطويلة، يتحدث ماركيز عن عديد الكتاب الذين أثروا فيه: همنغواي، جويس، فوكنر، فيرجينيا وولف، دوس باسوس، هوميروس، دون أن ننسى كتاب "ألف ليلة وليلة" الذي قال عنه : "تعلمت من ألف ليلة وليلة ما لن أنساه أبدا، بأنه يجب أن نقرأ فقط الكتب التي تجبرنا على أن نعيد قراءتها".
الكتاب مهم جدا في إلقاء الضوء على مسيرة ماركيز الثرية باللقاءات والرحلات، وهو مع ذلك لا يخلو من طرافة، مثلما هو الأمر عند حديثه عن الدون كيشوت: "كانت تضجرني خطب الفارس الجوال المسهبة، ولا أشعر بأي ظرافة في حماقات تابعه. حتى إنني صرت أفكر في أنه ليس الكتاب نفسه الذي يجري الحديث بكثرة عنه. ومع ذلك فقد قلت لنفسي أن معلما حكيما مثل معلمنا، لا يمكنه أن يخطئ. وبذلت جهدا لابتلاعه ملعقة بعد أخرى، كما لو كان شرابا مسهلا. ثم بذلت محاولات أخرى في المرحلة الثانوية، حين كان علي أن ادرسه كواجب إجباري، ومللته دون خلاص، إلى أن نصحني صديق بأن أضعه على رف المرحاض، وأحاول قراءته بينما أنا أنجز واجباتي الجسدية اليومية. وبهذه الطريقة فقط اكتشفته، كتفجر، واستمتعت به سويا ومقلوبا، إلى أن صرت أردد من الذاكرة، مقاطع مطولة كاملة منه."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























