مدار السرطان/ ماريو بارغاس يوسا

أكتوبر 7th, 2006 كتبها وليد سليمان / ديدالوس نشر في , ترجمات

 

مدار السرطان

ترجمها عن الاسبانية: وليد سليمان

مازلت أذكر جيدا كيف قرأت مدار السرطان منذ ثلاثين عاما، بسرعة و انتشاء، خلال ليلة واحدة. لقد تمكن صديق لي إسباني من العثور على نسخة باللغة الفرنسية من هذا الكتاب العظيم والرجيم الذي كانت تروى حوله في ليما العديد من الخرافات. وعندما رآني صديقي شديد الرغبة في قراءته أعاره لي لبضع ساعات. لقد كانت تجربة غريبة، شديدة الاختلاف عما كنت أتخيل، ذلك أن الكتاب لم يكن فضائحيا، مثلما كان يروج عنه، بسبب المقاطع الفضائحية التي كان يحتوي عليها، وإنما بالأحرى بسبب ابتذاله وعدميته المرحة. و قد ذكرني بسيلين التي تتحول الألفاظ البذيئة والقذارة لديه إلى شعر، كما ذكرني بـ”نادجا”(1 )، إذ أنه مثل في كتاب بروتون، يتحول الواقع اليومي الأكثر ابتذالا إلى صور حلمية وكوابيس محيرة. أبهرني الكتاب، ولكن لا أعتقد أنه قد أعجبني. لقد كنت حينئذ - ولا زلت- أتمسك بالاعتقاد المتمثل في أنه على الرواية أن تروي حكايات لها بداية ونهاية الغاية منها التصدي لفوضى الحياة بنظام اصطناعي بليغ ومقنع. إن ” مدار السرطان”- و كل كتب ميلر اللاحقة- هي خليط من الفوضى الخالصة والفوضوية الصاخبة والهذر الرومانسي العظيم والرائع، يخرج منه القارئ مصابا بدوار ومبلبلا وأكثر اكتئابا بقليل- فيما يتعلق بالوجود الإنساني- مما كان عليه قبل رؤية هذا المشهد. إن خطر هذا الأدب المتحرر والمشوش يتمثل في الوقوع في الثرثرة، و لم يسلم هنري ميلر، مثله مثل “الرجيم” الآخر المعاصر له جان جينيه من ذلك. ولكن “مدار السرطان”، روايته الأولى، قد نجت لحسن الحظ من ذلك الخطر. وهي بلا أدنى شك أفضل كتبه على الإطلاق، وإحدى أعظم الإبداعات الأدبية في فترة ما بين الحربين، كما تعتبر الرواية الأقرب إلى التحفة الأدبية من بين أعمال ميلر.
و اليوم أعدت قراءة هذه الرواية بمتعة حقيقية. وقد خففت الأيام وأخلاق عصرنا الرديئة من عنفها ومما كان أقرب إلى الجرأة البلاغية. فقد صرنا نعرف اليوم أن الضراط والتمخط يمكن كذلك أن تكون لهما جمالية. ولكن كل هذا لم يضعف من سحر نثره كما لم ينقص من قوته، بل على العكس، لقد زاده ذلك مسحة من السكينة ونوعا من النضج. وعندما ظهر الكتاب سنة 1934، لدى ناشر يكاد يعمل في الخفاء، في منفى ميلر اللغوي، وتحت وطأة المنع والهجومات التي لا تهدأ، كان ما يتم التأكيد عليه أو يعرض الكتاب للعنة هو انتهاكه للمقدسات ووقاحته التي تجعل أسوأ البذاءات تأخذ مكان ما يعتبر ذوقا سليما، فضلا عن الهاجس الغائطي. أما اليوم فقد صار هذا العنصر من الكتاب يصدم القليل من القراء. ذلك أن الأدب الحديث قد تبنى هذا التقليد الذي دشنه ميلر في “مدار السرطان”، والذي صار شائعا لدرجة أنه قد أصبح في كثير من الأحيان وبشكل من الأشكال كليشيها كما هو الشأن لهندسة العواطف في القرن الثامن عشر أو التقيؤ على البرجوازيين في المرحلة الرومانسية أو الالتزام تاريخيا في زمن الوجودية. لقد كفت العبارات البذيئة عن كونها بذيئة منذ زمن طويل وابتذل الجنس وطقوسه إلى حد بعيد. و كل هذا بالطبع لا يمنع من وجود بعض المساوئ. ولكن من بين المسائل المؤكدة لهذه التطورات هو أننا أصبحنا أخيرا قادرين على أن نثمن في هنري ميلر الفنان الأصيل، هذا فضلا عن تمرده اللغوي و موهبته كروائي اباحي.
لقد كان هنري ميلر كذلك بلا أدنى شك، مبدعا حقيقيا له عالمه الذاتي، و له رؤية خاصة للواقع الإنساني والأدب تميزه بجلاء عن باقي كتاب عصره. كما أنه مثل في زمننا، مثله مثل سيلين و جينيه، هذا التقليد الشيطاني المتمثل في انتهاك المقدسات بكل أنواعها، الذي جعل الكتابة على مدى التاريخ تحديا لما تقتضيه لياقة العصر، ونتوءا على سطح التناغم الاجتماعي واستعراضا جماهيريا لكل القاذورات والأوساخ التي يصر المجتمع- وهو محق في ذلك أحيانا- على قمعها. وتلك هي إحدى أهم وظائف الأدب: تذكير البشر بأنه مهما بدت لهم الأرض التي يعيشون عليها، صلبة، ومهما بدت لهم المدينة التي يسكنوها عامرة، فإن هناك شياطين مختبئة في كل مكان يمكنها أن تتسبب في طوفان في أي لحظة.
إن الطوفان والقيامة هما لفظان يتبادران إلى الذهن فورا عند الحديث عن “مدار السرطان”، بالرغم من أنه لا يوجد في الكتاب دم آخر غير الذي يسيل في مشاجرات السكيرين و حرب أخرى غير السفاحات (الضارية دائما) التي تمارسها شخصياته. ولكن هناك إحساس بكارثة عظيمة يسري، ويحدس القارئ أن كل ما يروى هو على وشك أن يبتلعه هولوكوست عظيم. وهو ما يدفع هذه الإنسانية الفاتنة والصاخبة إلى العيش في مثل ذلك الانحلال المسعور. إنه عالم قد وصل إلى نهايته، وبدأ ينحل أخلاقيا واجتماعيا في مجون هستيري في انتظار أن يحل الطاعون والموت، مثلما هو الحال في أحد مشاهد جيروم بوش الخارقة الوحشية. ومن وجهة نظر تاريخية، يعتبر كل هذا مؤكدا تماما. فقد كتب ميلر هذه الرواية في باريس بين 1931 و 1933 في الوقت الذي كانت تتهيأ فيه الحرب الشاملة التي سوف تمسح أوروبا مسحا بعد سنوات قليلة. كانت سنوات ازدهار وبذخ ولا وعي بهيج وإبداعي رائع. وكانت كل النزعات الجمالية الطليعية في ازدهار، والسرياليون يثيرون افتتان المحدثين بصورهم الشعرية و “عروضهم المثيرة”. لقد كانت باريس العاصمة الفنية للعالم وعاصمة السعادة الإنسانية.
في “مدار السرطان” يظهر قفا الميدالية. فالعالم الذي تصوره هذه الرواية باريسي، غير أنه شديد البعد عن مجتمع المظفرين والمتفائلين المترفين هذا، وهو يتكون من أناس منبوذين، ورسامين وكتاب مزيفين، وهامشيين وطفيليين يعيشون في أطراف المدينة دون أن يشاركوا في الاحتفال، بيد أنهم يتشاجرون على فضالته. هم منفيون لم يعد لهم أي اتصال ببلدانهم الأصلية- أمريكا أو روسيا- غير أنهم لم يتجذروا في باريس وظلوا يعيشون في وضع ثقافي يكتنفه الغموض. وجغرافيته تتكون من مواخير وحانات ونزل مشبوهة وبيوت قذرة ومطاعم بائسة وحدائق وساحات وشوارع تجتذب المتشردين. ولكي لا يهلك الإنسان في هذا البلد القاسي تصبح كل الوسائل مقبولة، بداية من العمل الشاق- مصحح في جريدة- إلى العادة المتمثلة في الاقتراض من الأصدقاء، والتشبه بالقوادين والمحتالين. وتظل النوايا الفنية المبهمة- كتابة رواية أساسية أو رسم لوحات مخلّصة، الخ.. هي الذريعة الأخلاقية الأكثر تواترا في خضم هذا الغاب، ولكن الأمر الجدي الوحيد، في الحقيقة، هو افتقاد الناس للجدية، وتشوشهم ولا مبالاتهم السلبية وتفككهم البطيء.
ذلك هو العالم، أو بالأحرى العالم التحتي الذي عايشته عن قرب في نهاية الخمسينات، وأنا على يقين من أنه لم يكن مختلفا كثيرا عن ذلك الذي كان يتردد عليه ميلر والذي ألهمه “مدار السرطان” قبل عشرين عاما. وكان موت هذه البهيمية الباريسية البطيء واللامجدي يثير اشمئزازي. فلم أحتك بها- مجبرا- إلا عندما لم يكن لدي خيار آخر. ولهذا بالذات أستطيع أن أقدر، حق قدرها، المأثرة المتمثلة في إعادة تشكيل هذا الوسط. وهؤلاء الناس والطقوس، وكل هذه الرداءة الخانقة التي نجدها في الحياة المأسوية والبطولية لشخصيات هذه الرواية، إعادة تشكيلهم أدبيا. لكن لعل أكثر ما يلفت الانتباه هو أنه في مثل هذا المناخ الذي ينخره الجمود والانهزامية، قد أمكمن لمشروع خلاق وطموح مثل”مدار السرطان” أن يصاغ و يتحقق. ( لقد أعيدت كتابة الرواية ثلاث مرات و اختصرت في نسختها النهائية إلى الثلث).
فالأمر يتعلق هنا بعملية إبداعية أكثر منه بشهادة. ولا أحد يشك في القيمة الثقافية للكتاب، غير أن إضافات مخيلة ميلر وأفكاره المشحوذة تطغى على العنصر التاريخي في الكتاب وتمنح رواية “مدار السرطان” قيمتها الأدبية. السيرة الذاتية في الكتاب مظهر خارجي أكثر مما هي حقيقة، وهي حيلة سردية تهدف إلى صياغة العمل الروائي بشكل يجعله قابلا للتصديق. وهم ما يحدث حتما في أي رواية، مهما كانت نو

المزيد