ساعة اينشتاين الأخيرة

فبراير 7th, 2008 كتبها وليد سليمان / ديدالوس نشر في , قصص





كانوا يلقبونه "اينشتاين"، ولم يكن ذلك بلا سبب. فلم يكن يستعصي عليه أي نوع من الساعات، حتى الأكثر تعقيدا في مكوناتها كالساعات الألمانية. سواء تعلق الأمر بالساعات السويسرية، الأكثر دقة في العالم، أو الساعات الايطالية المعروفة بأناقتها، أو الساعات الانجليزية غالية الثمن،كان اينشتاين حاضرا دائما ومستعدا لقبول التحدي.

كانت ورشته تتمثل في علبة كرتونية، يضعها أمامه في أحد شوارع العاصمة الأكثر حركية، ويضع عليها جميع لوازمه كالمفك والكلابة والعدسة المكبرة وغيرها من أدوات صنعته. كان يقرفص على الأرض أمام علبته الكرتونية، ومقابل مبلغ زهيد جدا يصلح لك ساعتك على الفور، وقد بلغني انه موجود هناك منذ أكثر من عشرين عاما.

خلال هذه السنوات العشرين، مرت على يدي اينشتاين جميع أنواع الساعات، وأكثرها تعقيدا. وكان يشعر بالرضى لكونه لم تستعص عليه، طيلة هذه السنوات، أي ساعة مهما كانت عبقرية صانعها ومهما كانت براعة مصممها. .

 

***


كنت أعمل في دكان لبيع الملابس يقع في مواجهة الرصيف الذي ينتصب فيه اينشتاين، وهو ما سمح لي بمراقبة دقيقة لحركاته دون أن يتفطن إلى ذلك. وهكذا كنت أراه عندما يأتي في الصباح بشعره المشعث، ويبدأ في ترتيب أغراضه على علبته الكرتونية.

ما إن تعطي لاينشتاين ساعتك المعطلة، حتى يشرع في إصلاحها على الفور، إن لم يكن مشغولا بإصلاح ساعة أخرى. وبحركات دقيقة، كانت تتكرر طوال أشهر وأشهر، كنت أراه يضع العدسة المكبرة في إحدى عينيه، ثم يفتح الغطاء الخلفي للساعة بعد أن يقربها من أذنه، وكأنه بذلك يستمع إلى نبضها ليعرف علتها.

كانت لاينشتاين عينان جاحظتان وشعر رمادي مجعد وطويل يصل إلى كتفيه. ولاحظت خلال أيام مراقبتي له الطويلة أنه كان يرسل خصلات شعره الطويل خلف كتفيه، وحين تقع بين يديه ساعة يجد بعض الصعوبة في إصلاحها، كنت تشعر باضطراب حركاته، وتراه يمسك شعره بيده اليسرى ويشده بشريط مطاطي.

لم يكن اينشتاين في الغالب يحدد ثمنا عند إصلاحه الساعة المعطلة، بل كان يأخذ بصمت ما يجود به عليه الزبائن. ومهما كان المبلغ الذي تعطيه إياه، فانه لا ينظر إليه، بل يضعه في جيب سترته السوداء البالية، ويواصل عمله بصمت. ولكن، أحيانا، عندما يتطلب إصلاح ساعة من الساعات الكثير من الوقت، كان اينشتاين يخرج عن صمته، ويطلب دينارا. وقد فهم زبائنه في ما بعد، أن الدينار يعني بالنسبة إليه أن عملية الإصلاح كانت شاقة جدا.

***

لم يكن اينشتاين يحب الكلام. وقد باءت محاولاتنا جميعا لاستدراجه إلى الكلام بالفشل.
كان دقيقا مثل الساعات التي يصلحها. وبفضل ما اشتهر به من إتقان في عمله، صار الزبائن يتوافدون عليه من كل مكان ويفضلونه على الدكاكين التي تطلب مبالغ مشطة مقابل إصلاح الساعات، وهي مبالغ ترتفع كلما كانت الساعة أكثر تعقيدا.

لم يكن اينشتاين يقطع عمله إلا عند الظهر، حيث يغتنم أول فرصة تقل فيها حركة الزبائن، ليأكل رغيفا من الخبز مع قطعة من الجبن. فهكذا هي حياة اينشتاين: خبز وجبن وعمل.

وفي الخامسة بعد الظهر، يضع اينشتاين كل لوازمه في كيس بلاستيكي، ثم يضع ذلك الكيس في علبته الكرتونية، ويغادر المكان.

***

مازلت أذكر ذلك اليوم جيدا. فبالرغم من أنه يوم من أيام الربيع، إلا أن الحرارة قد بلغت حدا لا يطاق. وقد لاحظت قبل الظهر بقليل أن اينشتاين كان يشد شعره الطويل بالشريط المطاطي. وعرفت حينئذ أن الساعة التي كان يقوم بإصلاحها فيها بعض الصعوبة.

لم أدرك خطورة الموقف إلا في حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر حين عدت بعد الغداء لأفتح الدكان. لاحظت على الفور أن اينشتاين لم يكن في حالة عادية. كان وجهه يبدو محتقنا وقد تحول لونه إلى أزرق يميل إلى البنفسجي. كان عرق غزير يغطي كامل جسده، وكأنه غطس للتو بملابسه في حوض ماء. وكان يمسك بين يديه ساعة لم تكن تبدو - في ظاهرها- مختلفة عن غيرها من الساعات، إلا أن اضطراب اينشتاين ونظرته الزائغة كانا يدلان على ما يكابده. لقد أخرج من كيسه كل الأدوات تقريبا، وهذا لم يحدث أبدا منذ عرفته. حينئذ أيقنت أن أمرا خطيرا سوف يحدث.

انشغلت قليلا ببعض الزبائن. وحين هدأت الحركة في الدكان رفعت رأسي قليلا وصوبت نظري نحو المكان الذي يجلس فيه اينشتاين. إلا أني لم أتبين شيئا في أول الأمر. لقد كان الناس متجمهرين حول اينشتاين، وجعلوا بازدحامهم رؤيته غير ممكنة. تعجبت من ذلك، صحيح أن الناس يزدحمون أحيانا حوله لإصلاح ساعاتهم، إلا أن الأمر لم يصل أبدا إلى ذلك الحد.

بات أكيدا من خلال احتشاد الناس، وازدياد عددهم بسرعة كبيرة، أن شيئا ما قد حدث أو هو بصدد الحدوث. وطلبت من زميلي في الدكان أن يعتني بالزبائن ريثما أعود.

توجهت إلى الرصيف الآخر حيث ينتصب اينشتاين عادة، ولكن ازدحام الناس منعني من الاقتراب منه ولم أستطع حتى رؤيته.

سألت شخصا كان يقف

المزيد